22-5-2002
تلخيص
لمحاضرات الندوة المولدية 29 :
حضارة التسامح والتضامن
نظمت وزارة الشؤون الدينية يومي 22 و23 ماي 2002بمدينة القيروان
الدورة 29 للندوة المولدية التي تمحورت حول موضوع "حضارة التسامح
والتضامن" والتي حظيت بإشراف من لدن سيادة الرئيس زين العابدين
بن علي.
وشارك في الندوة مجموعة من الباحثين التونسيين والعرب ناقشوا موضوع
التسامح والتضامن من خلال عدة محاور تتعلق ب:
- التسامح والتضامن قيمتان حضاريتان.
- التسامح والتضامن وقيم الحضارة الكونية.
- التسامح والتضامن في الأديان.
وفيما يلي ملخص للمحاضرات التي قدمها الأساتذة المشاركون في الندوة.
*كلمة وزير الشؤون الدينية
افتتح السيد جلول الجريـبـي وزير
الشؤون الدينية فعاليات الندوة واستهل كلمته التي ألقاهابالمناسبة
بالإشارة إلى أن العالم يعيش متغيرات عديدة وكبيرة على جميع الأصعدة
ساهمت فيها خاصة الثورة الاتصالية التي تعيشها البشرية، وهذه المتغيرات
تفترض من الشعوب أن تعيش مصيرا مشتركا وأن تكون مجتمعة في قرية صغيرة
وربما مستقبلا خيمة مشتركة وهذا التعايش يفترض منها أن تتقاسم مجموعة
من القيم لتكون "صمام الأمان لها" وركيزة هذه القيم التسامح
والحوار والإيمان بالغيرية والحد من الأنانية وتشابك المصالح والتخلي
عن التحجر الفكري والديني ونبذ الإقصاء والتهميش.
ولقد أثبت التاريخ أن الحضارة العربية الإسلامية كانت سباقة في ترسيخ
هذه القيم وعلى رأسها التسامح.
كما أثبت التاريخ أن تونس كانت عبر العصور رافدا حقيقيا للتراكم
الحضاري الإنساني على أرضها وكانت أيضا مركزا للتلاقي والتلاقح بين
مختلف الحضارات وهو ما أكسبها ثراء وأهلها لإشاعة أصول الفكر التنويري
المسيحي ولتقديم فكر عقلاني تنويري في مجال الإسلام.
وهذه الرسالة التاريخية أهلتها اليوم لتقوم بدور فاعل في نفس النسق
ولتحرص على ترسيخ حضارة التسامح والحوار والتضامن انطلاقا من مشروع
رئاسي رائد أسسه سيادة الرئيس زين العابدين بن علي واستمده من قيمة
التسامح التي هي جوهر الدين الإسلامي الحنيف.
فقيمة التسامح التي منها يكون إذكاء روح التضامن جعلها سيادة الرئيس
ركنا أساسيا وثابتا في خطة التنمية الشاملة ولقد كانت لسيادته مبادرات
ريادية في هذا الصدد مثل إنشائه للصندوق الوطني للتضامن (26-26)،وعمله
من أجل إحلال السلم والأمن في العالم ونبذ كل اشكال العنف والعنصرية
وإذنه بإصدار عهد قرطاج للتسامح وإشرافه الشخصي على الندوة المتوسطية
لحوار الحضارات وقراره بإنجاز كرسي بن علي لحوار الأديان والحضارات
الذي ينشد نشر الخير والتفاهم والحوار والتسامح والتآزربين الشعوب.
وتعتبر هذه القيم هي الدعامات الأساسية التي ارتكز عليها الإصلاح
الدستوري الجديد المؤسس لجمهورية الغدوالذي صادق عليها الشعب يوم
26 ماي 2002 بمشاركته التي تجا
وزت 99./. في الاستفتاء الشعبي الذي تعرفه تونس لأول مرة في تاريخها
.
تفعيل قيمتي التسامح والتضامن في مشروع المجتمع المدني
الأستاذ صلاح
الدين بوجاه (تونس)
يعتبر الأستاذ صلاح الدين بوجاه أن التحولات التي تعرفها بلادنا
في السنوات الأخيرة تجعلنا نواجه منظومة متكاملة من القيم المستحدثة
سميت ب"قيم التغيير" ويذكر منهما خاصة قيمتي التسامح والتضامن
وهما موضوع بحثه.
وانطلق الأستاذ بوجاه في دراسته بتفسير مفاهيم التسامح والتضامن
والمجتمع المدني،ثم تخلص إلى توضيح مفهوم التسامح والتضامن في الإسلام.
وقام بالإشارة إلى الآيات القرآنية التي تضمنت التنصيص على هذه المبادئ
وتدعيمها وهو ما يجعلنا نستفيد أن تراثنا الإسلامي المجيد يدعم بناء
المجتمع على مبادئ الإيخاء والتضامن والتوادد والتراحم والتسامح
الفكري.
أما عن مشروع المجتمع المدني في تونس فيقول الأستاذ المحاضر أن كتب
التاريخ تحدثت عن تسامح الإنسان في تونس منذ القدم وحرصه على التضامن
والتآزر والتراحم ويذكر أمثلة عديدة منها عدم قبول الدعاوي الشيعية
المتطرفة والالتزام بعهد الأمان وإبطالهم للرق في وقت مبكر مقارنة
ببقية البلدان ومشروع الأحوال الشخصية ودستور سنة 1959 الذي أشار
إلى حماية حقوق الإنسان.
أما قيمتي التضامن والتسامح فقد تم التنصيص عليهما في دولة التغيير
وهو تتضمن نبذ العنف والتطرف والعنصرية وعدم التدخل في معتقد الغير
وفي سلوكه الشخصي.وقد نبعت هذه المبادئ من التراث الإسلامي المجيد
والجدل العلمي ذي النزعة الإنسانية الذي انتشر في أوروبا منذ بداية
القرن الثامن عشر ميلادي.
وحول تفعيل قيمتي التضامن والتسامح في تونس يقول الأستاذ صلاح الدين
بوجاه أن النخب الوطنية منذ سنة 1987 سعت إلى نشر ثقافة حقوق الإنسان
في مختلف المجالات.
ولتفعيل هذه القيم يقترح تكثيف عمل الجمعيات والمنظمات بالتوازي
مع عمل الحكومة لأن هذه الهياكل اصبحت أقدر من سواها في القيام بهذا
الدور كما تتحمل الاسرة التونسية أيضا عبئ تنشئة ابنائها على فضيلتي
التسامح والتضامن لتصبح بمثابة فطرة ثانية للاطفال وأيضا تتحمل المسؤولية
وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة.
ويكبر كذلك دور الأئمة والقائمين في تبصير الناس بقواعد الشريعة
السمحاء من خلال الدروس وحلقات التكوين والإرشاد.
وتجدر الإشارة إلى أن جمهورية الغد تم تركيزها خاصة على قيم التسامح
والتضامن.
ويختتم الأستاذ كلامه بأن أوكد الوظائف للقائمين على بيوت الله هو
العمل على نشر هذه القيم بين الناس خاصة وأن المجتمع يؤمن بقيمة
الجانب الروحي في حياته.
تساؤلات حول مفهوم "الحضارة الكونية"
الأستاذ السيد ولد أباه (موريتانيا)
كثرة الحديث هذه الايام عن حوار الحضارات والثقافات فيه دليل على
الوعي بالمصاعب والاختلالات التي تعاني منها الأنسقة التواصلية مع
الثقافات الاخرى وعلى الاخص الثقافة الغربية المهيمنة خاصة بعد احداث
11 سبتمبر. والاشكال نتاج لتصادم حقيقتين بارزتين هما :
- الالتزام الجماعي بمقتضيات الكونية
- الاحتراز النظري والمعياري بحق الثقافات في الاختلاف والتماهي
ومكمن الاشكال هو في ايجاد صياغة تاليفية لهاتين الحقيقتين
ويقدم الدارس ثلاث مقاربات للتعامل مع هذا الاشكال اولها ان الحضارة
واحدة لا متعددة وهي حضارة المهيمن مثل النموذج الروماني ثم الاسلامي
الوسيط ثم الغربي الحديث
وثانيا القول بان الحضارة الغربية هي في حقيقة الامر حضارة بشرية
جامعة وليست تعبيرا عن خصوصيات اوروبية وأمركية .
وثالثا رفض مفهوم الحضارة الكونية والايمان بحق الخصوصية والاختلاف
وذهب الدكتور ولد اباه الى تعديد مساوئ كل مقاربة .وهو يقترح ثلاث
مستويات مترابطة لبلورة كونية تواصلية حوارية هي:
- العلاقة بالحداثة من حيث انها إطار نظري ومرجعية فلسفية وفكرية
صاغت المضمون القيمي للحضارة المعاصرة .
- الحوار الواسع المتواصل حول منزلة المقدس في المجتمعات المعاصرة
وانعكاساتها على الخيارات المجتمعية والسياسية.
- الإشكاليات التي تطرحهاالتقنية اليوم وأثرها على الأبعاد الأنطولوجية
والقيمية والخلقية لوجود الإنسان.
التضامن الإسلامي سياسة كونية حقوق الإنسان
الحبيب عياد(تونس)
انطلق الأستاذ الحبيب العياد في محاضرته بتفسير مفهوم التضامن في
اللغة العربية وأصلها "ضمن"وهي تفيد معنى الحفظ والرعاية
والتعهد والكلال والزمانة والعشق والكمالة...
وكلمة التضامن إن كانت في ذلك الوقت غائبة عن الأجواء اللغوية بمفهومها
المعاصر إلا أنها كانت متبلورة في الشأن الاجتماعي العربي من خلال
مفهوم القبيلة وما يتصل بها من معاني العصبية. ولكن مفهوم العصبية
شهد تحولات عبر العصر وحمل معاني سلبية أخرى.
ويبدأ الأستاذ المحاضر في تحليله موقف الإسلام من التضامن في شكله
القديم واعتمد على مثال الرسول الذي ارتكز في نشر دعوته في بدايتها
على أفراد عشيرته الأقربين كما سعى إلى توثيق عرى الصلة الناشئة
بين أوائل المسلمين وهو ما يدل على أن الدعوة اعتمدت على الرابطات
الاجتماعية القائمة أنذاك. من جهة أخرى تجاوز الأمر قريش لتخرج الدعوة
إلى المدينة والتأليف بين مختلف المجموعات.
ومن الضروري التنبيه إلى أن روابط الأسرة والعشيرة والقبيلة والموطن
والقومية لم تكن هي الغاية من الأسلام بل أن المقام الأول كان لوحدة
العمل والعقيدة وبالتحديد ما عبر عنه الأستاذ العياد ب"الجامعة
الدينية".ولكن الخلاف حول الخلافة وقيام الدولتين الأموية والعباسية
نشط من جديد التفتت والتنازع وأحي تأثير الروابط الاجتماعية وكرس
في المقابل الافتراق والتشتت حسب الولاءات والانتمائات(العرب والموالي،
العامة والخاصة).
ولكن في نفس الوقت لم تضمحل الجامعة الإسلامية وظلت محركا للسلوك
الفردي والجماعي بل كانت مصدرا لشتى الحركات الإصلاحية في العالم
الإسلامي على مر التاريخ.
والواضح أن هذه الروح الداعية إلى التضامن والإخاء هي التي اجتمعت
حولها جميع الاديان الكتابية رغم أنها اختلفت من ناحية توجهاتها.
وبذلك كانت الجامعة الدينية سلاحا ذو حدين وذلك حسب أوضاع المجتمعات
فهي كانت في بداية الإسلام وسيلة استقطبت جميع الأفراد لينصهروا
معا ولكنها كانت في أوضاع أخرى قلعة للانعزال والتقوقع على الذات
ورفض الآخر.
وهذا الدليل يفيد أن التضامن الديني لايكون إيجابيا إلا في المجتمع
الذي يكرس فيه التضامن تكريسا فعليا ومتى كان التضامن معدوما انقلبت
الجامعة الدينية لتصبح عصبية.
وهذا الأمر يجعلنا ننظر للتتضامن في ضوء التطورات المعرفية الحاصلة
اليوم ليكون أهم مرتكزات "حقوق الإنسان" وليكون نظرية
سياسية حديثة.
وذهب الأستاذ عياد إلى البحث في نظرية التضامن من خلال تيارات التفكير
الاشتراكي وبالتحديد دراسات "ليون برجوا" التي تأسست من
منطلقها "منظومة عصبة الأمم المتحدة" ثم من بعدها منظمة
الأمم المتحدة التي ارتبط تأسيسها بمنظومة حقوق الإنسان التي صنفت
إلى ثلاث تصنيفات تسمى أجيالا وهي:
- الجيل الأول من الحقوق ويشمل الحقوق المدنية والسياسية (الحق في
الحياة والحرية والعدل).
- الجيل الثاني ويشمل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية(الحق
في العمل والتعليم...)
- الجيل اثالث ويسمى حقوق التضامن (الحق في التنمية وتقرير المصير
والسلام والبيئة السليمة...)
ويستخلص الأستاذ الحبيب عياد أن الإسلام كان سباقا في تأسيس قيمة
اجتماعية أخلاقية لم يدرك أهميتها التطور الحضاري إلا في القرن العشرين
وفكرة التضامن في الإسلام شأنها شأن بقية الأديان كانت مقصورة على
أهلها (مع عدم إقصائها لبقية المجموعات ولكن لاتبوأها نفس المنزلة).أما
فكرة التضامن في منظور حقوق الإنسان فهي قائمة على الكرامة المتأصلة
في جميع أفراد الأسرة البشرية دون تمييز.
التسامح بين الأديان والثقافات والحضارات شرط تضامن الشعوب وتعايشها
الأستاذ فؤاد الفخفاخ(تونس)
انطلق الباحث فؤاد الفخفاخ في دراسته
من طرح عدة اشكاليات حول حضارة الأقوى والهويات الثقافية وصراع الحضارات
وتصادمها.
ويقول أن هذه الإشكاليات تختزلها قضية محورية تتعلق بعولمة الثقافة
وما قد تثيره من انعكاسات على مختلف الهويات والحضارات.
ويرى الأستاذ فؤاد الفخفاخ أن علاقتنا بالتراث لا ينبغي أن تتحدد
من حيث أنه معطى ثابت ومتجانس وغير قابل للدحض ولكن يجب أن يتضمن
مظاهر الممارسة الحداثية التي تقوم على التجاوز والاصطباغ بالإيديولوجيا
والمستوى الحضاري.
ويؤكد المحاضر ان العرب والمسلمين كانوا أكثر الشعوب المستعدة للانفتاح
على الحضارات الأخرى وقبول الروافد الأجنبية.
وحسب تصوره يرى ان المقاربة الموضوعية تتمثل في التعامل مع التراث
من زاوية التأكيد على الجوانب العقلانية والتغييرات الجذرية في الوعي
العربي وتوظيف التراث توظيفا نقديا واعيا بصياغة قيم جديدة أكثر
ملائمة للعصر وهي الطريقة التي تجعل حضارتنا اقدر على التفاعل مع
الحضارات الأخرى وتهيء ظروفا أمثل للتسامح بين الأديان والتعايش
بين الشعوب.
وحول خصائص الخصوصيات الثقافية التونسية يقول الأستاذ الفخفاخ أنها
تقوم على ضريبن من الخصوصيات الأولى تمثل الخصوصيات النوعية والأخرى
تمثل الخصوصيات المشتركة.
فبالنسبة للأولى يرى أن أهم خصائص الهوية الثقافية التونسية ذلك
أن الذهنية العامة وثيقة الصلة بالماضي بمافيه من أحداث ووقائع من
ناحية وبالمخيال الشعبي من ناحية أخرى ،وهو ما يجعلها تتميز بتعدد
منابعها (أجناس وديانات وعادت وتقاليد مختلفة..) وذلك بحكم موقعها
الجغرافي في البحر الأبيض المتوسط وهو ما يكسبها خاصية الكونية والانفتاح
على الحضارات والثقافات الأخرى.
ويخلص الكاتب إلى أنه بقدر وعينا بخصوصياتنا الثقافية يكون تأثيرنا
في الآخر.
ويلاحظ أن خطاب الهوية والخصوصية من شأنه أن يثير مسألة العلاقة
بين الحضارات والأديان.وينطلق في تحليله من نظرية صراع الحضارات
الناتج عن التعريب ومحاكاة الأخر وهو ما يؤدي أساسا إلى تنامي إيديولوجيات
الهوية التي عادة ما تتجلى في تيارت دينية وعرفية متطورة تتخذ من
الخصوصية الحضارية اساسا نظريا لها ومعتبرة أن العولمة اعتداء على
الرفاهية والديموقراطية .
وبقدر ما أصر دعاة العولمة على إلغاء الحدود كان إصرار الحركات الأصولية
في دفاعها عن التراث والوطن والدين حتى وإن كان عن طريق العنف.
ويوضح الأستاذ الفخفاخ أن الانخراط الواعي في مسار العولمة يجب أن
يكون من موقع الاقتدار لصيانة الهوية والانفتاح على الآخر بحيث لا
يؤول إلى التهميش والإقصاء.
وبذلك فإن العولمة لايجب أن تقترن بوحدانية الثقافية لأن من شأن
ذلك أن يؤدي إلى نهاية التاريخ.
ولذلك كان يجب على الحضارات والأديان أن تتعايش وعلى الأمم أن تتضامن
وهذا التعايش لايتوفر إلا بالتسامح في معناه الحضاري العام الذي
يقر بمبدأ الاختلاف في الأجناس والعقائد والمواقف الفكرية والعادات
والتقاليد ولكن الشعوبية التي تقوم على التعصب الديني والعرقي والوطني
كانت سببا في تقهقر الحضارة.
وبالتالي فإن التسامح هو الدعامة الأساسية للتضامن والارتقاء والتقدم
وهي الهدف الأسمى للديانات والحضارات باعتبار أنها تقدم السعادة
الإنسانية.
ولتحقيقها يشترط الأستاذ الفخفاخ توفر ركنين أساسين الأول أخلاقي
وهو تعامل الدول فيما بينها بمرجعية أخلاقية مشتركة تقر بمبادئ التسامح
والتضامن والتعايش السلمي.
والركن الثاني هو ذو بعد نفسي يتمثل في ضرورة التخلص من هاجس الخوف
من الآخر مما يؤدي إلى مقاومة الإرهاب بالإرهاب.
وتخلص الدراسة إلى التالي"في الوقت الذي أسعى فيه إلى التفوق
والامتياز أفضل أن أعيش في التنوع وبقدر الرغبة في التألق الحضاري
احترم فيه خصوصيات الآخرين".
الإسلام ومبدأ اللتضامن
الدكتورة زينب رضوان(مصر)
تؤكد الدكتورة زينب رضوان أن الإسلام يقر مبدأ التعامل والتكافل
في كل صوره وأشكاله والحياة لاتستقيم إلا إذا ذهب كل فرد إلى الاستماع
بحريته المطلقة إلى غير حد.
والإسلام يؤمن بالفرد ولكن لا يؤمن بالفردية بسبب مخاطرها المتمثلة
في حب المنفعة الذاتية على تصرفات الأفراد وتوجههم مما يجعل تماسكهم
والتفافهم نحو هدف عام أمر يسير وهذا التوجه يعكس رؤية واقعية وإدراكا
واعيا بأن وجود واستمرارية أي حياة اجتماعية يعني وجود قبود والتزامات
يتبادلها أفراد الجماعة وواجبات وحقوق تؤكد فاعلية وعيهم بالوجود
المشترك بينهم.
وتؤكد الأستاذة رضوان أن أهمية هذا الأمر وخطره لا ينفي صعوبة تحقيقه
وهو يحتاج "إلى مجاهدة تخرج كل فرد من دائرة الذات في التفكير
والسلوك والإحساس إلى دائرة الاعتراف بالغيروالتعاطف معه وتبادل
المصلحة والتماسك سويا من أجل البقاء ".
ولقد بينت الدكتورة رضوان من خلال عدة أمثلة لآيات قرآنية نظرة الإسلام
إلى التعايش بين الأفراد وكيفية تنظيم العلاقات الاجتماعية في إطار
التراحم والاحترام.
وعن صورة التضامن والتكافل في الإسلام تشير إلى أن الدين الإسلامي
يقر مبدأ التضامن والتكافل في صوره وأشكاله ويبدأ في تحديد طريق
التضامن بين الجماعة انطلاقا من الأسرة من خلال الإحسان للوالدين
ولذوي القربى سواء كانت قرابة خاصة أو عامة وتكون العناية بها نفسيا
وروحيا وماديا.
وقد دعى الإسلام حرصا منه على تكافل الجماعة إلى القضاء على كل من
يحاول التفريق والتفكيك ويبث في المجتمع روح العداء والشقاق لأن
سر قوة الجماعة يكمن في التضامن والاتحاد أما التصدع والانهيار فيولد
الصراع والاختلاف.
وتعتبر أن التوارث المادي والوصية من أهم مظاهر التضامن العائلي
في الإسلام (وقد تم تفصيله في آيات النساء 11و12).
ويمتد التضامن إلى بقية المحتاجين إلى الرعاية في الأسرة الإنسانية
الكبيرة من خلال الإحسان إلى اليتامى والمساكين.
وتشير الدكتورة زينب رضوان أن الأمور التي لها علاقة بكل فرد بصفته
الفردية جاء الأمر فيها أو النهي عنها بصفة المفرد أما الأمور المتعلقة
بالجماعة فقد جاء الأمر أو النهي فيها بصيغة الجمع.
وتتضمن علاقات الجوار أيضا حقوقا وواجبات تفوق ما تعرفه القوانين
وما تحكم به الأعراف وتكون المشاركة بالأفراح والأحزان.
والأمة الإسلامية مسؤولة أيضا عن حماية الضعفاء فيها ورعاية مصالحهم
وصيانتهاوأيضا عن الفقراء والمعوزين (الزكاة).
ووصفت الأمة الإسلامية بالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو يشتكي له
سائر الأعضاء.
ويأخذ التكافل في الإسلام صورا عديدة تهدف بالأساس إلى التعاون على
الخير وتحقيق المنفعة العامة والخاصة ونذكر منها مثال الزكاة.
أما بخصوص مبدأ التضامن فهو لا يقتصر على الفرد في مجتمعه وإنما
يمتد ليشمل التضامن على المستوى الإنساني من خلال التأكيد على المساواة
بين البشر وتطبيق العدالة وهو ما سيحقق هدف الإنسان على الأرض وهو
خلافة الله فيها وتعميرها.
التسامح والتضامن في الاسلام والمسيحية
أحمد الحذيري(تونس)
انطلق الاستاذ احمد الحذيري في محاضرته من بعض الاحداث التاريخية
واقوال لفلاسفة ليستخلص أن الإسلام بريء من أطروحات القائلين بصراع
الحضارات وبريء من دعمه للإرهاب، وسماحته هي حقيقة ثابتة ودعوته
للتسامح واضحة.
ولمواجهة هذه الادعاءات قال اننا تجاه حلين اما الإكتفاء بقراءة
النص الديني للردعلى هذه الادعاءات وهو ما سيجعلنا دائما في نفس
الوضع لانتزحزح عنه ابدا واما ان نعتمد طريقة لتأسيس قوة الفكرة
وقوة الموقف وقوة الحجة عبر النقد الذاتي لإنتاج المعرفة على مرتكزات
الثقافة العربية الإسلامية الاصيلة وهو ما اعتمدته التجربة القائمة
على توسيع الفكر المستنير وترسيخ قيم التسامح والاعتزاز بالانتماء
للحضارة العربية الاسلامية الاصيلة وارتكزت هذه التجربة على التضامن
التي قادت عملية إعادة تاهيل البناء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي
مما جعل الجهود تتجه لعولمة مبدأ التضامن وهو مـا نــــادى به سيادة
الرئـــــيس زين العابدين بن علي أمام المجمع الدولي .
واستعرض الاستاذ المحاضر من خلال الآيات القرآنية مبادئ التسامح
والتضامن التي نادى بها القرآن ويذهب الى القول بان النصوص المؤسسسة
في مختلف الديانات حتى غير السماوية منها صريحة في الدعوة للقيم
السامية ولكن النزاعات التاريخية كانت عائقا في قيام مجتمع متسامح
يدعم مبدأ التضامن بأتم معنى الكلمة.
ويرى الأستاذ الحذيري ان تحقيق ذلك ليس أمرا مستحيلا بما أن هناك
من يطمح لتحقيقه في مختلف أرجاء الدنيا ويري ان للمنظومة التربوية
الدور الاساسي في نشر مبادئ الحوار بين الحضارات ودعم متطلباته من
حوار ديني ثقافي ولغوي وتربية الناشئة على قبول الاخر والتعايش معه
وهو ما يقتضي مراجعة الكتب المدنية
ويختتم المحاور محاضرته بالقول ان حوار الحضارات لا يعني فقط البلدان
الاسلامية وانما يعني الجميع.
*التسامح بين المسيحية والاسلام
الدكتورة إلهام كلاب (لبنان)
تحدثت الدكتورة إلهام كلاب عن الحرب البنانية التي كانت مغلفة بدافع
الدين والطقوس ولكنها في حقيقتهاذات طابع سياسي وهو ما جعل البعض
يتبنى مقولة صراع الحضارات ويعتبر أن الدين معيار للتمييز بين الحضارات.
وترى الدكتورة أن العلاقات بين الإسلام والمسيحية كانت غالبا مشحونة
بالصراع وذلك لطبيعة الدينين وهو ما يهدد التطور الانساني الذي راهن
على الاقتراب من الاخر وقبول اختلافه واعتباره شريكا في العالم.
وتعتبر الدكتورة ان سبب الصراع ليس الدين في حد ذاته وانما المصالح
.
وفي تفسيرها لمفهوم التسامح ترى أنه جهد داخلي ومشاركة وجودية في
تحمل عبئ الخطئ وهو يفترض رحابة في النفس ورهافة وفي إقصاه يأخذ
شكل المحبة.
وتتمثل تعاليم التسامح من خلال المسيحية في السعي نحو اللقاء الإنساني
سواء أكان الإنسان وثنيا أو حرا أو امرأة أو خاطئا.
أما في الإسلام فيرتكز التسامح على قبول الأديان الأخرى وقبول الاختلاف
والاختيار واعتماد الأسلوب الحكيم والمرن.
وحول بحثها في تاريخ التسامح تعتبر الدكتورة أن الحروب التي دارت
بين الدينين المسيحي والإسلامي إنما كانت أبعد ما يكون عن حقيقة
التعبير الديني في سموه الروحي وترى أن العلاقة تشوهت بين الدينين
من خلال الحروب الصليبية وتذهب إلى اعتبار أن المسيحية الشرقية هي
الأكثر قربا للإسلام من المسيحية الغربية.
وتعدد الدكتورة كلاب العقبات التي تواجهها ثقافة التسامح، وتعبر
عن خوفها قائلة:"إن العالم لايبدي في هذا الوقت موقفا رحبا
للتضامن والتسامح في ظل لعولمة واختلال التوازنات. وتبدو المشكلة
الآن بين عالمين لابين دينين وهما العالم االمسيحي والعالم الإسلامي"،حيث
تعتمد عدة طرق لتشويه صورة الإسلام وربطه بالإرهاب وتضخيم الخوف
من التهديد المتنوع الذي يشكله العالم الإسلامي.
وعن آفاق التسامح وموقعه في عالم اليوم تؤكد الدكتورة كلاب أن المسلمين
والمسيحيين عاشوا في اتفاق خلال عصور التاريخ بالرغم من التقلبات
والمراحل السياسية المختلفة .
ولتحقيق التسامح تقترح الالتفات إلى الذاكرة الإيجابية عند الآخر
وتطويرها والتمهيد لحوار متكافئ وإقامة مؤسسات فاعلة للحوار المستمر
والصادق وتضمين المناهج التربوية تعريفات بكل الأديان وتعزيز الإنتماء
إلىمؤسسات المجتمع المدني والسعي إلى تحقيق نظام ديموقراطي عادل
وتكاتف مسيحي إسلامي لوقف تيار الخوف من الإسلام.