11-12-2001
القــرآن
والسلـم
محاضرة الشيخ
مصطفى السماوي
إنّ ديننا الحنيف نزّل
السلم قيمة محوريّة في منظومته الاجتماعيّة، باعتبار أنّ أصل البشريّة
واحد "يا أيها الناس اتّقوا ربّكم الذي خلقكم من نفس واحدة
وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء" (النساء 1) وأنّ
كرامتها ملك مشاع بين الجميع. وهبها إليها ربّ العالمين دون سائر
المخلوقين، كما في قوله تعالى ، وهو أصدق القائلين : "ولقد
كرّمنا بني آدم وحلمناهم في البرّ والبحر ورزقناهم من الطيّبات وفضّلناهم
على كثير ممّن خلقنا تفضيلا".
وهو تكريم لم تخصّص به أمّة الإسلام وحدها بل جعل شاملا لجميع الآدميّين
الذين شاءت حكمة ربّ العالمين أن يكونوا مختلفين، غير متشابهين،
مصداقا لقوله في محكم التّنزيل : "ولو شاء اللّه لجعلكم أمّة
واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربّكم ولذلك خلقهم".
لذلك جاءت دعوته تعالى
منبّهة إلى ضرورة اغتنام ذلك الاختلاف والتّباين في التعارف الدّائم،
والتّعاون المثمر، والنّفع المشترك. كما في قوله سبحانه : "يا
أيّها النّاس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا
إنّ أكرمكم عند اللّه أتقاكم".
وكما في قول النبيّ
الأكرم، صلّى اللّه عليه وسلّم : "يا أيّها النّاس ألا إنّ
ربّكم واحد وإنّ أباكم واحد. لا فضل لعربيّ على أعجميّ ولا لأعجميّ
على عربيّ، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلاّ بالتقوى".
وهكذا ففي القرآ ن الكريم والسنّة النبويّة المطهّرة، نصوص كثيرة
واضحة، تركت الجسور مفتوحة بين السلمين وغيرهم من النّاس. وقد قرّرت
تلك النّصوص أنّ الإنسان هو مخلوق اللّه المكرّم المختار، وأنّه
خليفته في الأرض، لذلك فهو بهذه الكرامة وهذا الاستخلاف يكتسب قدسيّته
ويحمي أعدائه كما يحمي أبناءه وأولياءه.. يحمي أعداءه في حياتهم
وبعد مماتهم.. يحميهم في حياتهم فيحُولُ دون قتال من لم يعتد منهم
عليه. وحتّى في ميدان الحرب يؤمّنهم من النّهب والسلب والاغتيال
والغدر.... ثمّ هو يحميهم بعد موتهم فيحرّم أجسادهم على كلّ تشويه
أو تمثيل، كما جاء في الحديث النّبويّ الشريف "أليسوا أناسي؟
فلهم كرامة الإنسان؟".
وهكذا يكون أساس العلاقة بين المسلمين وغيرهم، هو السلم "وإن
جنحوا للسّلم فاجنح لها وتوكّل على اللّه" (الأنفال 61).
وهذا السّلم يدعو الإسلام
الجميع إلى الدّخول فيه بقوله: "يا أيها الذين آمنوا ادخلوا
في السّلم كافّة"، جاعلا من القتال دون قيام دواعيه، من عمل
الشيطان.
فهل من موقف أوضح في
الدّلالة علي بشاعة جريمة قتل الإنسان لأخيه الإنسان ظلما بغير حق...
فذلك ليس عدوانا على الفرد وحده ولا عدوانا علي المجتمع الذي يعيش
فيه فحسب، بل هو شيء أكبر وأفدح : إنّه عند اللّه سبحانه عدوان على
النّاس أجمعين، عدوان على الجنس البشريّ بأسره. قال تعالى: "إنّه
من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض. فكأنّما قتل الناس جميعا
ومن أحياها فكأنّما أحيى النّاس جميعا" (المائدة 32).
فذكر النفس البشريّة، والناس في هذه الآية دون تفرقة بين لون أو
جنس أو دين، هو تعليم لما يجب أن يكون عليه الأفراد من التسالم والتألف،
وحرص كلّ وحد منهم على حياة الآخرين واتقائه ضرر كلّ فرد، لأنّه
انتهاك حرمة الفرد هو انتهاك لحرمة الجميع.
قال الرّسول الكريم
عليه أفضل الصلاة وأزكى التّسليم: "من آذى ذميّا فليس منّا"،
وقال أيضا : "إنّ اللّه جعل السّلام تحيّة لأمّتنا وأمانا لأهل
ذمّتنا.
وما أعظم القرآ ن الكريم
حين يرسي القاعدة الشرعيّة "لا إكراه في الدّين"، إقرارا
بأنّ حريّة الاعتقاد حقّ من لحقوق الطبيعيّة للإنسان. فالأداة (لا)
هنا هي نافية وتعني أنّه لا يكتمل الاعتقاد ولا يصحّ حين يكون بالإكراه
والجبر والإلزام.
قال في ذلك جلّ شأنه : "ولو شاء ربّك لآمن من في الأرض كلّهم
جميعا، أفأنت تكره الناس حتّى يكونو مؤمنين". (يونس 99).
وقال في موضع آخر:
"ولو شاء ربّك لجعل النّاس أمّة واحد ولا يزالون مختلفين".
ذلك أنّ الحكمة الإلهية
اقتضت هذا التنوّع والاختلاف.
ومن واجب المسلمين
حينئذ إقناع المدعوّين إلي الإسلام بالحسنى : "قل يا أهل الكتاب
تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلاّ اللّه ولا نشرك
به شيئا" ( آل عمران 46).
ولؤهلاء المدعوّين
حرّية الاستجابة لهذه الدّعوة بدليل قوله تعالى :"وقل الحق
من ربّكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" (الكهف 92).
وفي قوله في موضع آخر
ناهيا المسلمين عن استعمال القوّة مع غير المسلمين الرّافضين الدّخول
في الإسلام: "فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السّلم،
فما جعل اللّه لكم عليهم سبيلا" (النساء 09).
والإسلام يفرّق في
ذلك بين المحاربين وغيرهم، ويحتاط كثيرا لفائدة المسالمين : "يا
أيّها الذين آمنوا إذا ضربتهم في سبيل اللّه فتبيّنوا لمن ألقى إليكم
السّلم" (النّساء 49).
بل إنّ الإسلام يوصي
بمواصلة غير المسلمين المسالمين وبرّهم ومعاملتهم بالحسنى : "لا
ينهاكم اللّه عن الذين لم يقاتلوكم في الدّين ولم يخرجوكم من دياركم
أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إنّ اللّه يحبّ المقسطين" (الممتحنة
879).
فهذا النبيّ الأكرم
صلّى اللّه عليه وسلّم، حال دخوله إلى المدينة المنوّرة مهاجرا إليها،
يبادر إلى دعوة اليهود المدنيّين إلى الإسلام بالرّفق واللّين، فلمّا
أبوا لم يفرض عليهم ذلك بالإكراه أو الضغط ولكن أقرّهم على دينهم،
بل إنّه وادعهم وسجّل هذه الموادعة في وثيقة الحلف العام للدّفاع
عن المدينة المنوّرة ضدّ المغيرين والغزاة واعتباها حرما من للتعايش
السلمي، في إطار الاحترام المتبادل والحفاظ على كرامة الإنسان. وقد
سجّلت في تلك الوثيقة الحقوق والواجبات لكلّ من اليهود والمسلمين،
من ذلك التنصيص على أنّ لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم.
ومن جهة أخرى نجده
صلى الله عليه وسلّم يحاور نصارى نجران في بيته ويحسن وفادتهم ولم
ير عضاضة في دعوتهم إلى أداء صلاتهم عندما حان وقتها.
على هذا الأساس أرسى
مجتمع المدينة المنوّرة قاعدة لإقامة نسق سلمي بين فئات النّاس من
مؤمنين وغير مؤمنين، فقال هذا المجتمع على قاعدة نشر الدّعوة مع
اختضان الاختلاف وليس بتجاهله أو محاولة إلغائه.
إنّ الإسلام لا يضيق بتنوّع الانتماء العقديّ، ولا يؤمن بالنقاء
العرقي، بل هو يؤمن بأنّ هذا التنوّع من طبيعة تكوين المجتمعات،
وأنّ الحوار هو الطّريق الوحيد والأوحد لتحقيق التعايش السلمي، وأنّ
البديل عن ذلك هو القطيعة والانكفاء عن الذّات وتطوير ثقافة الحذر
والشكّ والعداء والبغضاء.
وإنّ هدف هذا الحوار
ليس إقناع الآخر بأن يكفّ عن أن يكون نفسه، بل هو لغاية معرفة هذا
الآخر واكتشافة في عمقه للاقتراب منه أكثر، وتمكينه هو بدوره من
الإسهام بفكره وتجربته في بلورة الحقيقة، وتحقيق المصلحة المشتركة
والعمل معه وكأن العمل له، تحقيقا لحبّ هو في ذاته أسمى تجلّيات
العلاقة مع هذا الآخر.
وإنّ الدّارس للقرآ
ن الكريم ليجد أنّ جميع الأنبياء والمرسلين أمروا باتّباع هذا المنهج
السّلمي في الدعوة والإقناع. فهذا موسى وأخوه هارون يخاطبان بقوله
جلّ وعلا: "اذهبا إلى فرعون إنّه طغى، فقولا له قولا ليّنا
لعلّه يتذكّر أو يخشى" (طه 44).
وهذا الرّسول الأكرم
صلّى الله عليه وسلّم يؤمر بقوله جلّ من قائل: "اُدعُ رلى سبيل
ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن".
ويخاطب في موضع آخر
بقوله : "فبما رحمة من اللّه لنت لهم، ولو كنت فظّا غليظ القلب
لانفضّوا من حولك".
ثمّ تابع الخلفاء من بعده هذا النهج بما يعبّر عن أروع نماذج التّسامح
الدّيني، في مجالي التعايش العقدي والاجتماعي، جسّمتها حركة نقل
العلوم والثقافات اليّونانيّة والفارسيّة والهنديّة وغيرها ومجالس
المناظرات التي كانت تجمع بين ديانات ومعتققدات لا يجمع بين أصحابها
غير نشدان الحقيقة والإيمان المشترك بقيم الحوار والتّسامح والسّلم.
وكان هذا قصد الرئيس
زين العابدين بن علي في تونس، حين رعى كتاب اللّه العزيز، وشجّع
حملته ودارسيه، وهيّأ الأسباب لحفظه وتدبّر معانيه. فكان أن أقبل
عليه التونسيّون يغترفون من معانيه ويستلهمون من مكنون مخزونه، فعمّهم
السّلم والأمن وساد بينهم التحابب والتوادد. وسار ركبهم بهدي من
سيادتكم بخطّى حثيثة على درب الرّقيّ والتقدّم والإشعاع والتألّق.
لقد صدق الرئيس بن
علي حين قال إنّ خبرة السّنوات قد علمته كيف يستبق الأحداث ويستشرف
المتغيّرات، فغدت أهدافه واضحة وأدوات مجابهته فاعلة... فهو لم ينتظر
صيحات الفزع ضدّ التطرّف والتعصّب العنصريّ والدّينيّ، حين بادر
بالعمل على إحياء ثقافة التفتّح والاعتدال من خلال برامج التعليم
والخطاب الدّيني وعبر وسائل الإعلام ومختلف قنوات التوعية والتثقيف،
استلهاما من روح ديننا الحميف وتمثّلا لمقاصده ومراميه، وإحياء لقيم
تراثنا الأثيل ولمرتكزات مجتمعنا الأصيل، الذي ظلّ على مدى تاريخه
الطّويل، أرضا للتّسامح واحترام الرّأي المخالف، وقبول معايشة أصحاب
الدّيانات الأخرى، والسّماح لهم بممارسة شعائرهم بالكيفيّة التي
يختارونها. فكان أن افتضحت خلفيّات الفكر المتعصّب المكفّر لكل مخالف،
وقطع الطريق أمام الحركات المتطرّفة السّاعية إلى نشر الكرواهيّة
والبغضاء والترويج بسلوكها الأهوج وتأويلها الباطل، الى الاعتقاد
بأنّ الإسلام عدوّ لغيره من الأديان.
وكان أن توقّى التونسيون
والتونسيات من أسباب الفرقة والصراع ومظاهر الافتتان والاقتتال،
وجنوا بذلك نعمة الطمأنينة والاستقرار والأمان.
ولما آمن الرئيس بن
علي، بأنّ رسالته الإنسانيّة النبيلة تتجاوز حدودها الوطنيّة للإسهام
في تحقيق السلم العالميّة ما فتئ يدعو المجموعة الدوليّة إلى تظافر
الجهود للقضاء على جميع أشكال الكراهيّة والبغضاء مهما كانت أسبابها
دينيّة أو عرقيّة أو غيرها، ومنع استغلال الدّين لأغراض سياسيّة،
أو استعماله من قبل تيّارات تزعم أنّه حكر عليها، فسبّبت لشعوب كثيرة
التصدّع والفوضى والصّراع، مؤكّدا بروح المؤمنين الصادقين بأن لا
علاقة للإسلام بالإرهاب، وبأنّ لنا في تاريخ ديننا الحنيف من المواقف
ومآثر الحوار والحكمة ما يجسّم نبل حضارتنا ورفعة قيمها، وبرّها
بالإنسان والإنسانيّة.
وهو السياق الذي يندرج
فيه نداؤه إلى العالم، لتأكيد المزيد من معاني التضامن والتعايش،
بأن دعا إلى بعث صندوق عالمي للتضامن يمكن المجموعة الدوليّة من
التدخلّ للحدّ من ظاهرة التوتّر، وتحقيق السلم والأمن، منبّها إلى
أنّ ذلك من أهمّ حقوق الإنسان، وأقدس ما ينبغي أن تؤديه البشريّة
جمعاء بقناعة وسخاء، عطفا على نداءاته المتتالية ومبادراته المتتابعة
لنصرة قضايا الحقّ والعدل وفي مقدّمتها القضيّة الفلسطينيّة وإسهاماته
في دعم الجهود الأمميّة في حفظ السلام في العالم، بإرسال البعثات
الأمنيّة إلى مواقع الصراع والصدام والتوتّر.
وهو السياق أيضا الذي
تندرج فيه اللّقاءات الدوليّة التي احتضنتها تونس بإشراف مباشر من
الرئيس بن علي والتي قدّمت الأنموذج للعالم ضمانا لأمنه وسلمه واستقراره،
والذي جاء مسطورا (على وجه الخصوص) في "بيان قرطاج للتسامح"
و"بيان زيتونة الاجتهاد" و"نداء تونس لحوار الحضارات
والأديان".
نص مقتبس من
محاضرة القاها الامام الشيخ مصطفى السماوي خلال موكب اشرف عليه الرئيس
زين العابدين بن علي ليلة 27 رمضان بجامع الزيتونة المعمور في تونس.