|
|
|
||||
|
وإن ما تميّز به الجامع من طرق تدريس ومناهج متطوّرة تشمل اللغة والعلوم الدينية والفقه جعل منه بالفعل جامعة بالمعنى العلمي للكلمة، وهو بذلك يكون قد سبق الأزهر بمصر من حيث أهمية اضطلاعه بنشر العلوم الدينية والمحافظة على مكوّنات الهوية العربية الإسلامية لا سيما في فترات الانحطاط التي مرّ بها العالم العربي والإسلامي. ويجمع الدارسون على أن دور جامع الزيتونة الحضاري لم يقتصر فقط على تونس وإنما تعدّاها إلى أنحاء متعددة من العالم العربي والإسلامي، كما يجمع الدارسون على أن الدور الذي اضطلع به الجامع لم ينحصر فقط في تلقين علوم المقاصد والوسائل، وإنما كان له دور عميق في المحافظة على الهوية العربية الإسلامية داخل تونس وخارجها.
ولأنها جامعة تميزت بدور حضاري ريادي فقد تجاوز إشعاعها حدود تونس إلى كامل المغرب العربي وكان له دور كبير في إحياء روح الاجتهاد، فقد كان مقصد الإخوة الجزائريين وفيه تخرج المصلح الكبير الشيخ عبد الحميد بن باديس. كما أن الصلات بين جامعة الزيتونة وجامع القرويين في المغرب الأقصى ظلت وثيقة بفضل ما كان للزيتونة من تأثير كبير في تطوير مناهج العلوم الشرعية. وشهر في المشرق أحد خريجيه وهو الشيخ محمد الخضر حسين الذي درس في الأزهر خمسا وعشرين سنة وتولى المشيخة فيه لمدة سنتين (1952 ـ 1954)، أثبت خلالها مكانة خريجي جامعة الزيتونة ومنزلتهم العلمية والدينية المتميزة في المشرق العربي. واعترافا بجليل فضائل الزيتونة على العالم الإسلامي في تجذير هويته، كانت الزيتونة مقصد العديد من العلماء والمصلحين الذين وجدوا فيها منارة علم ودين واجتهاد. ومن بين العلماء والمصلحين الذين وقفوا على أهمية دور هذا المعلم الديني والعلمي نذكر الشيخ والمصلح محمد عبده الذي زار تونس مرتين إحداهما سنة 1884، والثانية سنة 1903 في بداية هذا القرن وأشاد بالدور العظيم الذي تضطلع به الزيتونة في نشر علوم الدين والدنيا.
|